محمد بن جرير الطبري
432
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
المعاصي والكفر بالله ، قالت الملائكة في السماء : أي رب ، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك ، وقد ركبوا الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام . والسرقة والزنا وشرب الخمر ! فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم ، فقيل لهم : إنهم في غيب . ( 1 ) فلم يعذروهم ، فقيل لهم : اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي . فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا إلى الأرض ، وجعل بهما شهوات بني آدم ، ( 2 ) وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا ، ونهيا عن قتل النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر . فلبثا على ذلك في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق - وذلك في زمان إدريس . وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكوكب ، وأنها أتت عليهما ، ( 3 ) فخضعا لها بالقول ، وأراداها على نفسها ، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها ، وأنهما سألاها عن دينها التي هي عليه ، فأخرجت لهما صنما وقالت : هذا أعبد . فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا ! فذهبا فغبرا ما شاء الله ، ( 4 ) ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها ، فقالت : لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه . فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا ! فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم ، قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا الصنم ، أو تقتلا النفس ، أو تشربا الخمر . فقالا كل هذا لا ينبغي ، وأهون الثلاثة شرب الخمر . فسقتهما الخمر ، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها . فمر بهما إنسان ، وهما في ذلك ، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه . فلما أن ذهب عنهما السكر ، عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة ، وأرادا أن يصعدا إلى السماء ، فلم يستطيعا ،
--> ( 1 ) ما أدري ما يعني بقوله : " إنهم في غيب " ، إلا أن يكون أراد الغيب : وهو ما غيبك من الأرض ، لبعده وانقطاعه ، وهبوطه عما حوله . كأنه يقول : إنهم في مكان غيبهم عما تشهدون أنتم - أيتها الملائكة - من آيات ربكم . وانظر ص : 433 . ( 2 ) في تفسير ابن كثير 1 : 257 : " فجعل لهما . . " . ( 3 ) في تفسير ابن كثير : " أتيا عليها " . ( 4 ) في المطبوعة : " فصبرا ما شاء الله " ، وفي ابن كثير : " فعبرا " . وغبر : مكث وبقى . ( 5 ) انظر ص : 432 تعليق : 1 . ( 6 ) الأثر : 1687 - في تفسير ابن كثير 1 : 257 - 258 عن أبي حاتم قال : " أخبرنا عصام بن رواد ، أخبرنا آدم ، أخبرنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " ، وهو غير إسناد ابن جرير ، وكلاهما من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس ، ولكن ابن جرير لم يرفعه إلى ابن عباس . ونصهما واحد إلا بعض خلاف يسير في بعض اللفظ . ( 7 ) في المطبوعة : " قالها مرتين أو ثلاثا " ، والصواب من ابن كثير في تفسيره 1 : 255 ، والدر المنثور 1 : 97 . ( 8 ) في ابن كثير : " أو قال - قال لي رسول الله . . " . ( 9 ) الفرج بن فضالة التنوخي القضاعي : ضعيف قال البخاري : " منكر الحديث " ، وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 134 ، والصغير : 192 ، 199 ، والضعفاء للبخاري : 29 ، والنسائي : 25 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 85 - 86 . وهذا الحديث هنا مختصر . وقد رواه الخطيب في ترجمة سنيد ، مطولا ، من طريق عبد الكريم بن الهيثم ، عن سنيد ، بهذا الإسناد . وهذه الأخبار ، في قصة هاروت وماروت ، وقصة الزهرة ، وأنها كانت امرأة فمسخت كوكبا - أخبار أعلها أهل العلم بالحديث . وقد جاء هذا المعنى في حديث مرفوع ، ورواه أحمد في المسند : 6178 ، من طريق موسى بن جبير ، عن نافع ، عن ابن عمر . وقد فصلت القول في تعليله في شرح المسند ، ونقلت قول ابن كثير في التفسير 1 : 255 " وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار ، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم " . واستدل بروايتي الطبري السالفتين : 1684 ، 1685 عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار . وقد أشار ابن كثير أيضًا في التاريخ 1 : 37 - 38 قال : " فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين ، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار ، وتلقاه عنه طائفة من السلف ، فذكروه على سيبل الحكاية والتحدث عن بني إسرائيل " : . وقال أيضًا ، بعد الإشارة إلى أسانيد أخر : " وإذا أحسنا الظن قلنا : هذا من أخبار بني إسرائيل ، كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار . ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها " . وقال في التفسير أيضًا 1 : 260 ، بعد ذكر كثير من الروايات التي في الطبري وغيره : " وقد روى في قصة هاروت وماروت ، عن جماعة من التابعين ، كمجاهد ، والسدي والحسن البصري ، وقتادة ، وأبي العالية ، والزهري ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين ، من المتقدمين والمتأخرين . وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى . وظاهر سياق القرآن إجمال القصة " من غير بسط ولا إطناب فيها . فنحن نؤمن بما ورد في القرآن ، على ما أراده الله تعالى . والله أعلم بحقيقة الحال " . وهذا هو الحق ، وفيه القول الفصل . والحمد لله .